كيف يكون الإعلام ضمير الوطن؟

بقلم : حياة السايب

رئيس تحرير بجريدة الصباح

 

sayebالإعلام في المجتمعات الديمقراطية ليس مجرد أداة أو جهاز لنقل الخبر أو لمواكبة الحدث وإنما هو أحد أعمدة الديمقراطية. وبما أن الديمقراطية هي عقلية وثقافة قبل أن تكون اجراءات وآليات وقوانين فإن الإعلام هو أيضا ثقافة أي أن مطالعة الصحف ومشاهدة التلفزيون والإستماع للإذاعة وزيارة صفحات التواصل الإجتماعي على الإنترنيت على غرار "تويتر" و"فايسبوك" والتفاعل مع المنتوج الإعلامي صارت عبارة عن جزء من حياة المواطن. وهي عملية وإن كانت في ظاهرها وكأنها آلية فإنها في باطنها تؤكد أن الإعلام يؤثر في حياة الناس ويضطلع بدور في توجهاتهم وحتى في بناء مواقفهم.

والديمقراطية وإن كانت في مفهومها الأساسي ممارسة الشعب للسلطة عن طريق الإنتخابات الحرة وإن كانت تعني كذلك تقسيم السلط واستقلالية القضاء فإنها لا تكتمل إلا بمجتمع مدني حر ونشيط وفاعل وبإعلام حر ومستقل. وطبيعي جدا أن تتوجه اليوم عدسات الكاميرا إلى الإعلام وأن يسلط الضوء على آداء الإعلاميين منذ الثورة الشعبية التي حرّرت الصحافة

من عقالها الذي استمر طيلة فترة حكم بورقيبة وبن علي لأنه إن كان من قبل يمكن التعلل بغياب الحرية لتبرير ضعف الأداء فإن الأمور اختلفت اليوم بشكل جوهري بعد التغيير السياسي بالبلاد.

هل استفاد الإعلام من حرية التعبير ؟

ذلك ما سنحاول فهمه من خلال هذه الورقة مع أن مقولة على غرار تلك التي صدرت عن المفكر جون بول سارتر لما قال فيما معناه " أن أكبر حيّز من الحرية نعيشه في ظل في الإستعمار"

que sous l’occupation Nous n’avons jamais été plus libres  

لم تفقد بريقها ونعتبر أن المقولة دالة جدا فالحرية تبقى من وجهة نظره الفلسفية مشروعا والمشروع يكبر عندما نشعر أن الحرية مهددة وللتذكير فهو يقصد الإستعمار الألماني لباريس خلال فترة من حكم النازية. الحرية في فكر جون بول سارتر تعني الحركة والتحرّك ضد المستعمر هو عين الحرية.

 

دور الإعلام الجوهري ومدى التزام الإعلام التونسي بهذا الدور

إنه إن كان هناك من دور مهم يقوم به الإعلام فهو حتما يتمثل في ايصال المعلومة الصحيحة من مصادر الخبر الصحيحة وهي مصادر ينبغي أن تكون متنوعة فإن كان لكل مؤسسة إعلامية الحق في أن يكون لها خطها الإعلامي الذي يميزها فإن ذلك لا يحول دون الإلتزام بالخبر الصحيح. الإعلام يقوم بدور الناقد والمراقب والمحذر والمنبه في كنف احترام القانون ودون المساس من الحريات الشخصية ومن حرمة المواطن ومن حرمة الوطن. وهناك عدة أشكال صحفية تتيح للإعلاميين القيام بدور ضمير الوطن وهي تتمثل في التحقيقات المكتوبة أو المسموعة أو المسموعة والمرئية التي تلتزم بالإشكاليات الحقيقية والريبورتاجات في مواقع الحدث والتعاليق الصحفية وهو من الأشكال الصحفية الصعبة لأنها تتطلب تمرسا وقدرة كبيرة وكذلك التحاليل التي تبنى على وقائع وشهادات وتصريحات وليس على أوهام إلخ...

أين نحن من كل ذلك خاصة في ظل ما شهدناه من انفلاتات عديدة بعد الثورة ومن بينها الإنفلات الإعلامي؟

لقد انشغل التونسيون لفترة بعملية الإنتقال الديمقراطي واستحوذت العملية السياسية على اهتمامهم بالكامل   لكن بعد اكتمال مرحلة الإنتقال الديمقراطي وبعد خوض بلادنا للإنتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة التي من المفروض أنها أنهت مع مرحلة الإنتقالي والمؤقت ووضعت الأساسات لحياة ديمقراطية مستقرة اصبحت الأرضية ملائمة لطرح الأسئلة الجوهرية حول آداء العديد من القطاعات التي يعتبر دورها مهما وخطيرا أحيانا في المراحل الهامة من مراحل تطور المجتمعات ومن بينها بطبيعة الحال الإعلام بمختلف مكوناته.

هناك اليوم تخوف من أمرين اثنين أساسيين:

أولا: أن تشهد حرية التعبير انتكاسة من خلال الضغوطات السياسية التي قد تمارسها السلطة رغم أن حرية التعبير مدسترة ورغم تعهد جميع مكونات المشهد السياسي منذ الثورة باحترام حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وقد شهدنا جدلا مؤخرا بين المستشار الإعلامي برئاسة الجمهورية ونقيب الصحفيين حول اعتماد صحفيين ممثلين لمؤسساتهم بقصر الجمهورية بقرطاج وبقطع النظر عن مشروعية خطاب هذا الطرف أو الطرف الآخر فإن الأمر يعكس شيئا من الريبة والتخوف من عودة التدخل في الإعلام وحتى الإملاءات والتعليمات.

هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن مشروع قانون حماية القوات الحاملة للسلاح الذي تم تمريره إلى مجلس نواب الشعب أثار حفيظة الكثيرين من مختلف مكونات المجتمع المدني ومن الإعلاميين في حد ذاتهم ومن أحزاب سياسية بما في ذلك أحزاب من الإئتلاف الحاكم على غرار حزب آفاق تونس الذي انتقد ما أسماه بالطابع الزجري للقانون وإذ أثار مشروع القانون التخوف فلأنه قد ينحرف بالبلاد في اتجاه تكريس الخوف وعودة الرقابة وتضخيم سلطة البوليس.

 

ثانيا : أن يكون قطاع الإعلام حاملا في داخله لبذور المشكل. أي أن القطاع يحمل في جيناته ما يجعله قابل للتنازل عن مكسب الحرية الذي بشرت به الثورة الشعبية. كيف ذلك ؟

أولا إن القطاع مفتوح ولا يمكن التمييز بسهولة بين المهنيين من يحملون بطاقة احتراف وبين المتعاونين الذين يجدون أنفسهم فجأة وبدون سابق إعداد جزء من القطاع وهم وإن كانوا لا يشكلون خطرا لعدم تفرغهم فإنهم يعيقون تقدّم القطاع بسبب قلة الحرفيّة والمهنية وعدم الإلمام بخصوصيات المهنة أما الخطر الأكبر فهو يتأتى من الدخلاء على المهنة أولئك الذين تسربوا إلى القطاع واستقرّوا به ورويدا رويدا أصبحوا يتحملون مسؤوليات وهم بالتالي باتوا من صنّاع القرار. هؤلاء غالبا لا تعنيهم أخلاقيات المهنة ولا تعنيهم القوانين وللأسف صاروا يشكّلون قوّة ضرب وهم باسم السّبق الصحفي وباسم قوانين السوق صاروا يبيحون كل شيء بما في ذلك الأخبار الكاذبة والمقالات السّاذجة والسطحيّة والبرامج التي لا تلتزم بأدنى مقومات العمل الصحفي دون أن نغفل الأخبار التي تختلق والمقالات الصحفية التي لا نستطيع التمييز فيها بين الخبر والتعليق وبين نقل المعلومة ووجهة نظر صاحبها إلخ...

المسؤولون على المؤسسات الإعلامية الذين لا يملكون حدا أدنى من المعرفة بخصوصيات المهنة هم بدورهم سبب في تدني المستوى لأن عقليتهم ربحية صرفة وهم لا يملكون استراتيجيات بعيدة المدى وكل همهم تحقيق أرباح آنية خاصة في هذا الظرف الذي يشهد فيه قطاع الإعلام والصحافة لا سيّما الصحافة المكتوبة صعوبات مادية كبيرة   والذي تتراجع فيه كل الخطابات أمام الخطاب الذي يتحدث عن قانون السوق حتى وأنت تستمع إليهم لتشعر بأنه بات من العادي جدا اعتبار المنتوج الصحفي والإعلامي مجرد بضاعة مثلها مثل غيرها. .

فهناك ثقافة جديدة اليوم ربما وليدة ظروف موضوعية. ثقافة رائجة جدا وهي تتمثل في تجاهل أخلاقيات المهنة تماما والركض وراء الأخبار المثيرة وفبركة أخبار وايهام القراء والمتلقين بسبق صحفي هو في الحقيقة ليس بسبق ولا هو يستجيب لأدنى مواصفات العمل الصحفي والإعلامي. ولعل بعض الحالات معبرة جدا من ذلك مثلا مفهومنا للإستقصاء في الصحافة.

هناك من يريد أن يوهمنا بأنه يعتمد على المدرسة الغربية في مجال صحافة الإستقصاء وإذا بنا أمام تحقيقات تتم بين عشية وضحاها. ولعلنا نشير في هذا السياق إلى أن التحقيق الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية مؤخرا حول التهرب الضريبي وتبييض الأموال المتأتية من ذلك بتدبير من فرع بنكي بريطاني بسويسرا ( بنك HSBC ) أو ما يعرف بقضية سويسليكس قد استغرق أكثر من عامين من الإعداد وقد اشترك حوالي 140 صحفيا من عدة بلدان أوروبية في اعداد التحقيق وبالتعاون مع الشرطة المختصة وديبلوماسية هذه البلدان.

أين نحن من ذلك؟

 

إن المسألة ثقافية بالأساس فبالإضافة إلى امتلاك أدوات الصنعة من تقنيات للكتابة ومعرفة بالأشكال الصحفية وقدرة على الصياغة مهما كان شكل الوسيلة الإعلامية لا بد من امتلاك ثقافة تجعلك تقدّر أن الخبر هام إذا نشر فورا لكن قد تكون الفائدة أكبر إذا ما تم التمحيص والتثبت.

إن الجري وراء الأخبار المثيرة قاتل للمهنة لأنه على مدى بعيد وحتى متوسط ستفقد المهنة ثقة المتلقي والسؤال أي ديمقراطية بدون إعلام حر ونزيه؟

 

تحصين المهنة ضد الإغراءات

إن الإغراءات في مهنة الصحافة والإعلام والإتصال موجودة في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية لكن تحصين المهنة بالقانون مهم جدا حتى وإن كان القانون لوحده غير كاف فترسانة من القوانين لن تكون ناجعة في ظل عقليات متحجّرة وفي ظل بقاء القطاع مفتوحا لكل من فشل في وظيفة أخرى ومادام الإقتناع سائدا بأنّ الصحافة ليست علما.

وبالتالي فإنه من الضروري أن يكون لدينا مجلس للصحافة المكتوبة يوازي الهايكا التي تراقب القطاع السمعي البصري. ومن المهم جدا أن نسارع بإعادة النظر في التكوين.

المشكل المادي يطرح بقوة وهناك مؤسسات اعلامية خاصة أصحابها تحولوا لأثرياء في حين أنها لا تلتزم بأدنى حقوق العاملين كما أنها لا تلتزم بالقانون وخاصة فيما يعلق بالأجور والإنتدابات من الصحفيين إذ ينبغي أن تكون نسبة هامة أو النسبة الأكبر من خريجي الكليات المتخصصة وفي قضية الحال يجب أن يكونوا من خريجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار.

هذه المؤسسات تعول غالبا على متعاونين هم في حل من الإلتزام بأخلاقيات المهنة وبقوانينها المنظمة. وهي مؤسسات موجودة على الساحة وتتحمل مسؤولية كبيرة في تدني المستوى وبث ثقافة جديدة ثقافة استدراج المتلقي بأخبار تافهة ووهمية وأحيانا خطيرة لأننا في الوضع الصعب الذي نمر به حيث هناك إعادة تشكل للعديد من المنظومات من بينها منظومة الإعلام   يمكن لمثل هذه السياسة التي تعتمدها هذه المؤسسات الإعلامية التي تتصرف وكأنها في حل من كل قانون ومن كل اعتبار أخلاقي أن تزلزل كل مكسب تحقق لهذا البلد وخاصة مكسب حرية التعبير.

صحيح هناك صحافة مجاري في كل البلدان لكنها تبقى في الدول الديمقراطية المتطورة معزولة ودورها غير مؤثر بشكل واضح أما في تونس فإننا نخشى أن نتوجه جميعا لأسباب عديدة     إلى تبني صحافة المجاري كنموذج يحتذى والتخلي رويدا رويدا عن الصحافة الجدية.

 

العلاقة مع الراي العام

بطبيعة الحال لن يكون الإعلام قادرا على تنمية روح المواطنة ودعم وعي المواطن بقضاياه إلا إذا كان مهنيا أولا وملتزما بالأخلاق ثانيا وتسوسه جملة من القيم أبرزها الحرية. لن يكون الإعلام بقادر على القيام بهذه الأدوار إلا إذا كان الإعلاميون واعون بخطورة الرسالة ويمتعون بحد أدنى من الثقافة   ومن روح المواطنة التي تجعلهم يدركون أن الإعلام يشارك في بناء الوطن   والدفاع عنه ضد أعداء الداخل والخارج .

وللأسف فإن حرية الإعلام في تونس تبقى منقوصة مادام مليئا بالدخلاء ومادام الصراع اليوم وحسب ما نلاحظه من مباشرتنا للمهنة لصالح أصحاب دعاة التدحرج إلى الأسفل وعبدة ما يسمى "البوز" والسبق الصحفي حتى وإن كان هذا السبق لا قيمة له ولا أهمية ولا يقدم أي خدمة للمتلقي..

إن المهنة تفقد هيبتها رويدا رويدا والمواطن لا يثق كثيرا في الإنتاج الإعلامي لافتقاره للجدية كما أن بعض النماذج البارزة التي تتصدر الساحة اليوم ليست نماذج إيجابية ولا تشجع على بناء علاقة متينة مع المتلقي. هناك تقسيم للأوليات خاطئ وهناك ترتيب لأهمية الأخبار يكاد يكون واحدا بين مختلف المؤسسات خاطئ بل كارثي. فالخبر المهم اليوم في تونس هو الخبر المثير من خصومات وصراع الديكة وأما كل ما هو ثقافي وكل ما هو خبر علمي أو بيئي فهو خبر ثانوي غير قادر في عرف أصحاب القرار اليوم.

ربما   هناك تركيز على النّواحي السلبية في هذه الورقة ولكن الغاية محمودة إن صح التعبير. فكل ما نحتاجه في هذه المرحلة الإنتقالية التي يعيشها قطاع الإعلام مواجهة الحقيقة مهما كانت موجعة.